من قرآن البعث إلى قرآن المبعوث…!؟

 

جهاد نصره

 

لم تعد المراوغة والصمت والتريث مبرراً فقد حان وقت الفرز وتحديد الخيار وخصوصاً أن المشهد المصري أصبح في مرمى البصر وفي منتهى الوضوح حيث راح أهل الثورة الذين نادوا بالدولة المدنية الديمقراطية يعضون أصابعهم بالرغم من الفرح الطاغي بسقوط النظام..! لقد اكتشفوا أنهم أسقطوا الاستبداد السياسي لكنهم ذاهبون إلى استبداد حملة رايات النصوص المقدسة غير القابلة لأي تعديل أو شطب .. وأن ثورتهم بدأت تحتضر الأمر الذي دعاهم يوم أمس 27 / 5 / إلى الإعلان عن جمعة الغضب الثانية..! أهل الثورة أملوا بالدولة المدنية الحق دولة القانون ودولة ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) فإذا بهم أمام دولة يريدها أهل الشريعة على مقاس عقيدتهم دولة ( يجب من كل بد أن تؤمنوا )..! لذلك، رفض الإسلاميون بكل تنويعاتهم المشاركة في جمعة الغضب الثانية لا بل أدانوا الدعوة وأعلنوا صراحةً أن جمعة الغضب وهي التي أسقطت ـ حسني مبارك ـ صارت باب شرعلى مصر…!؟ 


في سورية بدأت هيمنة نصوص القرآن البعثي كما هو معروف بعد انقلاب الثامن من آذار وخلال نصف قرن من الهيمنة الأحادية المكرَّسة دستورياً تمكنت السلطة بانقلاباتها المتكررة من إزاحة الجميع من الطريق..! ثم عملت لاحقاً على تزيين هيمنتها الكلية بلملمة بضعة أحزاب منشقة على بعضها مشكِّلة منهم تحالفاً كرتونياً أسمته: الجبهة الوطنية التقدمية..! وبهذا الاستفراد كلي الجبروت، أصبحت سورية وطناً بعثياً صرفاً الكلمة الأولى فيه لقرآن البعث وحده لا شريك له..! ومع استمرار هذا الطغيان السياسي فإنه لم يبق أمام غالبية السوريين سوى المزيد من التدين والتحلق حول المرجعيات المذهبية والطائفية..! ثم ومن أجل نيل المزيد من الرضا الشعبي وإغراق القاع المجتمعي في الحضيض اللاسياسي أطلقت السلطة اليد لبناء عدد هائل من المساجد وأقامت مدارس حفظ القرآن والتعليم الشرعي.. ورعت تنظيم عمل الدعاة والأئمة والخطباء عبر وزارة الأوقاف حتى أن القيادة القطرية دافعت صراحةً ومن دون مواربة عن ظاهرة القبيسيات المعروفة..! وفي مثل هذه المناخات كان طبيعياً أن تنتعش الروابط الأهلية والعصبيات والولاءات الدينية والعائلية والمناطقية.. وأن تنتشر سحب المد الديني لتعم أرجاء البلاد وهاهي سلطة الأمر الواقع الهرمة تدفع ثمن سياساتها المداهنة الخرقاء…!؟


طيب: إذا كان أهل البعث ـ حالهم كحال أهل الشيوعية ـ لم يساوموا أحداً على قرآنهم ( غير المقدس ) طيلة خمسة عقود احتكروا خلالها الوطن وثرواته والقضاء وقضاته والإعلام ووسائله فهل يتصورعاقل أن يساوم الإسلاميون على قرآنهم ( المقدس ) وهو الذي ينص بشكلٍ لا لبس فيه على أن المسلمين المؤمنين وحدهم هم أهل الله في أرضه (( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض )) و(( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون )) والصالحون هم المؤمنون من المسلمين لا غير فكيف للذين لم يعرفوا المساواة والحرية في وطن البعث أن يعرفوها في وطن أهل الله: (( إنما المؤمنون إخوة )) المؤمنون فقط..! و(( إن شرَّ الدواب عند الله الذين كفروا )) و(( قاتلوا أولياء الشيطان )) و(( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر )) و(( قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )).. هاهم في مصر لا يساومون فقد بلعوا كلامهم السياسي التكتيكي المنفتح الجميل الذي أطلقوه في ميدان التحرير أيام الثورة.. وشأن الإخوان والقرآن في أي بلد شأن إخوان مصر.


اليوم، وبعد أن بان الخيط الأبيض من الخيط البعثي الأسود، فإن ما كان حراماً صار حلالاً.. وصارمباحاً وممكناً بل مشروعاً الحديث عن ضرورة إبعاد حزب البعث عن السلطة ـ فهذا شرط تحولها إلى دولة ـ فيصيركباقي أحزاب البلاد..! بما يعني أن قرآن البعث قابلٌ للتعديل والحذف والتغيير الأمر الذي يستنطق الأمل بإمكانية كسرالأحادية الحزبية والتقدم نحو بناء دولة التعدد المنشودة..! في هذه الحالة: ألا يصح سؤال عشاق الديمقراطية ودعاة الدولة المدنية دولة من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وليس دولة حلفائهم الإسلاميين الذين يسمونها مدنية وكيف ستكون مدنية بالرغم من أن الشريعة ستكون مرجعيتها الوحيدة..! هل يصح سؤالهم عن إمكانية تعديل أو حذف كلمة واحدة في القرآن المبعوث..! أو في أن تكون الشريعة واحدة من المرجعيات وليست الوحيدة..! أو حتى إمكانية مراجعة أحكام الله التي يتمسك بها كل أطياف الجماعات الإسلامية في الوقت الذي يتحدث فيه حلفاء الإخوان هؤلاء عن الديمقراطية والحرية وما بعرف شو..؟ ثم هل يحق للبعض من الناس ـ ونحن منهم ـ أن يتساءل عن التصنيف والمصير الذي سيطاله إذا ما تسيّد أصحاب اللحى المشهد وخصوصاً أنهم لم يكونوا من أهل البعث يوماً وهم لا يجدون أن لديهم ( مزايا ) أهل الله في أرضه وهم في الأصل لا يرغبون في ذلك…!؟

  1. أضف تعليقاً

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: