«قرضايات» دمشق

 

خليل حرب 

عشية الحرب على العراق، خلال عشاء عند صديق مشترك، جلس احد كبار منظري اليسار اللبناني، يتنعم بنسمات ربيع آذار في ذلك العام، ويروي بعدما «ضرب» كأسين من الويسكي، «رؤيته الشيوعية الخاصة»، بكثير من التفاؤل الساذج، لما سيتبدى خلال الاعوام التالية، على انه ابشع ما اصاب العرب، ربما منذ هزيمة حزيران قبل 45 عاما. 

 

كانت القوات الاجنبية الغازية على الأبواب لدق ابواب بغداد. وكان العالم يستعد مستسلما، لمشاهدة مذبحة مروعة طوال الأعوام السبعة التالية: مليون قتيل عراقي وملايين الجرحى والنازحين. تكور كثيرون على مقاعدهم، واكتفوا بالبكاء. 


كان من الصعب ان يتبدد من الذهن رنين كلماته وهو يستبشر خيرا بالإعصار الذي سيقصم لاحقا حياة العراقيين. في نعوش مئات الاف القتلى، كان الوعي العربي مسجى هناك قرب الجثث. لقد اصيب في مقتل. لا لان صدام حسين كان رجلا انقسمت حوله الامة، وانما لان العراق ظل يحتضر امامنا طوال اكثر من 20 سنة، وظننا انه خرج من وعينا الى الأبد، لكنه ظهر فجأة متجسدا في كل ما حوته كتب التاريخ من تراجيديا وأحزان كربلاء، من مذبحة المغول لعاصمة الرشيد، الى آخر عنق عربي ذبح في غرناطة… الى فلسطين. 


صديقنا اليساري ما زال حيا يرزق، ربما انتابته هو ايضا لحظات بكاء. وربما عزى نفسه بدموعه، ليغتسل من ذنوب جريمة بامكانه ان ينكر انه ارتكبها بيديه… تماما كمراهق يكذب ليخفي «ذنبا» اقترفه. تشبه حال هذا اليساري العتيق، حال بعض اصحاب المراهقة الثورية هذه الايام.


سقط زين العابدين بن علي، فهلل الجميع.. لم يحزن عليه احد.. والاجمل ان الثورة باغتت الجميع، ولم يلوثها الاميركيون، بينما عجز الرجعيون العرب عن تداركها. اما مصر، فكانت كما تصورها كثيرون، بهية، صادقة، محقة، وجامعة… اقله الى حد ما حتى الآن. 


«المراهقة الثورية» حتى سقوط حسني مبارك، كانت ترفا محببا… يمارسه الجميع، كبارا وصغارا، لكن منذ تلك اللحظة، منذ ان حط مبارك وحاشيته في شرم الشيخ، بانت تحديات توالدت، من واشنطن وعواصم عربية.. وصولا الى اصغر زاوية لتجمع سلفي في ازقة القاهرة. 


المراهقة الثورية ذاتها ظلت على حالها.. انها ايام الثورة، انه «ربيع عربي» جديد، كربيع عتيقنا اليساري. الانغماس بالتفاؤل الساذج، والكؤوس هي ذاتها، اجترعت على انغام راقصة في حانات بيروت. لم نعد نسمع بدوي قصف يومي على عاصمة عربية.. يقصفها عرب وغربيون.. تتحدث باسم الغزاة، قناة تلفزيونية عربية. ينقسم البلد الى شطرين… ويتحاربان. ترفرف اعلام اميركا وفرنسا في بنغازي. 


نتمادى بمراهقتنا الثورية.. يتقاتل اليمن السعيد، وفي الوقت ذاته، يتشظى.. ينقسم «المراهقون» الثوريون على الانترنت. ينشغل كل بـ«ثورته». الانظمة جميعها فاسدة.. فلتذهب البلاد الى الجحيم.. ولتحترق كي تولد من جديد كطائر الفينيق. 


واشتعلت في سوريا.. تشرذم الرفاق الثوريون على «فيسبوك». لكن اجتمع عليها كثيرون.. المؤمنون بصدق بالثورات، والمتظلمون أصحاب الحقوق، والانتهازيون، وفي لبنان مبتدئو السياسة، «العنصريون» المتعطشون لرؤية الدم السوري في الشوارع، الى جانب متآمري الداخل والخارج، والاهم …أخطاء النظام. 


وبينما كان الجموح يسيطر كالعادة على «المراهقين الثوريين»، ويلتقي مع «عنصريي» لبنان، لركوب حركة الاحتجاج المشروعة، كان النظام يحاول لململة آثار المفاجأة التي باغتته، وكان يبدو برغم الدم الكثير المراق ظلما، انه يتجه نحو احتواء الاضطرابات التي لم يكن اتساعها، اقله مناطقيا، في الحسبان، الى ان ظهر مؤشران جديدان. 


الاول تزايد الدعوات لعزل النظام سياسيا.. وربما استخدام خيار عسكري ضده!
والثاني، لقاء انتاليا لشخصيات متعددة الانتماءات غالبيتها مجهول، يقول فيها بعض من هم من صفوفها انها بالكاد تمثل نفسها، لكنها تخرج بموقف لا يطالب بتنحي الاسد، وانما تنحيه «فورا». 
لنتفق على ان العمل العسكري ضد سوريا، لم يكن خيارا متاحا، ليبنى رهان منطقي على تدخل خارجي يغتنم لحظة الحراك الداخلي. ولنتفق على ان صعوبة الخيار، ان لم نقل استحالته، ليست مرتبطة باعتبار سوريا قوة عسكرية كبرى بالمقاييس العالمية. فهي ليست كذلك. لكن سوريا، اكثر اقتدارا عسكريا مقارنة بليبيا، وهي اكثر خطورة بأوراقها الإقليمية. وهي ايضا، وهو الأكثر أهمية، لها «حلفاء»، في ايران والعراق ولبنان وفلسطين، لا يشبهون بتاتا «حلفاء» العقيد معمر القذافي من المصلين الذين كان يؤمهم ايام الجمعة في انحاء افريقيا! 


في مصر، لم ينقسم المصريون حول حتمية الثورة عندما اندلعت. في مصر، لم ترفع سكين عندما كانت قوات الامن تهاجم المتظاهرين بلا رحمة. والاهم في مصر، ان ائتلاف شباب الثورة، حتى عندما كان يذبح في «ميدان التحرير»، وبأمس الحاجة الى أي حماية تأتيه، ظل يتعامل مع أي كلمة اميركية معسولة، على انها مريبة، ولم يرفع علما غربيا واحدا، ولا ذهب، لا الى تركيا ولا الى اوروبا، ليقدم «اوراق اعتماده» امام الخارج!


آن للمراهقة الثورية ان تتريث. سوريا تحاول، وان متأخرة، لملمة جراحها، وهي قطعت شوطا طويلا، ومؤلما، نحو التغيير. وهنيئا لمعارضي النظام، او لأعدائه. فلقد جرح «النظام» وليستخدم كل منهم هذا الجرح كما تشاء مصالحه، بعيدا عن المبالغة بالحسابات. واذا كانت التحية لا بد منها لشجاعة من سقط مظلوما في الطريق نحو الافضل، وهم كثر، فان الدعوة واجبة للمعارضين، المخلصين منهم، للتنبه من مسوقي أنفسهم كقرضاي كابول الذي دخلها على دبابات الغرب. لكن لا طالبان في دمشق، والخوف هو من طالبان التي قد تأتي تسللا سواء عبر انتاليا او لبنان او العراق، فيما المراهقة الثورية تتبادل الانخاب ذاتها طربا بالدم، لتنكب غدا على مقاعدها يعتصرها البكاء… فعلى هؤلاء، الأمة، لا يعول على بقائها.

  1. أضف تعليقاً

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: